-مقدّمة
تُعدّ الصهيونية
والتراث اليهودي عنوانين كبيرين، وقطبين متحركين غير ثابتين، فيهودية الأمس، أسوة
بالديانات الأخرى، ليست يهودية اليوم، إذ تتغيّر السياقات التاريخية والثقافية
والسياسية والإبستمولوجية دومًا، وكذلك لاختلاف فهم قارئ النصوص المقدّسة لها في
ظل المتغيرات المذكورة؛ لذلك فإنّ دراسة التقاطع بينهما وتفاعلاتهما مسألة على قدر
كبيرٍ من التعقيد. ولا يجانب الصواب الحديث عن اليهودية باعتبارها جوهرًا ثابتًا
لا يتغيّر، عند الحديث عن اليهودية تبرز أهمّية تحديد أية يهودية نعني تحديدًا،
فسؤال الهُوية لا ينفصل عن سؤال السياق، بل يرتبط تعريف اليهودية بالسياق التاريخي
ولا يمكن نزعه عنها بتاتًا. وإذا ما تحدّثنا عن حقب كبرى، فإن اليهودية، كأي ديانة
أخرى، تتغيّر بشكلٍ متواصل وتُأوّل نصوصها بطرقٍ شتّى، وتحتوي على مقولات غير
قابلة للحصر. لدينا إذًا تراثٌ يهوديٌ ينمو باستمرار، بما يتفق والسياق والشروط
التاريخية التي يعيشها اليهود، حسب الزمان والمكان، وتضفي معانٍ مختلفة للمفاهيم
الدينية نفسها حسب السياق التاريخي والظرف الزماني والمكاني.
تؤكّد الديانة
اليهودية، كما صاغها اليهود العرب في العصور الوسطى، على عروبة هذا التراث الذي
انتزعته الحركة الصهيونية من سياقه العربي، بل وطمسته ووظفت أفكارًا مجتزأة منه
بما يخدم بنيتها وأيديولوجيتها الاستعمارية. لذلك، تهدف المقالة الحالية إلى إبراز
حجم التراث اليهودي العربي في العصور الوسطى الذي طمسته الصهيونية بحكم نشأتها
الغربية-الاستشراقية، وبحكم طابعها الكولونيالي، علّها تكون فاتحة تجذب الأنظار
إلى هذه التراث المعرفي الغني المطمور، لا سيّما وأن هذه العلاقة التي تكتنف
الصهيونية والتراث اليهودي غير مستكشفة وبحاجة لكثير من الجهود البحثية والتحقيق،
بما يثبت أصالة الطابع العربي لليهودية في تلك الحقبة الزمانية ومدى انخراط اليهود
ثقافيًا واجتماعيًا في محيطهم ونسيجهم العربي والإسلامي.
التراث اليهودي
عند الإشارة إلى التراث
اليهودي، فإننا نتحدث عن مجموعة مركّبات وعناصر نصّية، ركيزتها نص مُقدّس يُعتقد
به على نطاق واسع بوصفه نصًا إلهيًا، وفي حالة الديانة اليهودية، فإن الكتاب
المقدّس ينقسم إلى طرفين الأول التوراة المكتوبة[1]
والثاني ما يصطلح عليه تعبير التوراة الشفوية وهي التلمود بجميع نصوصه وعناصره.[2]
يجمع التلمود بين تأويلات العديد كم المسائل التشريعية والفقهية (المشنا) إلى جانب
تأويلات بعض النصوص التوراتية المتفرقة وتعليقات الحاخامات عليها، وتعتقد الغالبية
المطلقة من اليهود، باستثناء فرقتين صغيرتين جدًا (القرائيون والسامريون)، أنها
نصوص مُقدّسة. وبات التلمود المرجع الديني الأبرز باعتباره وحيًا من الله
للحاخامات.
لا يُمكن للكتب
المقدّسة، بحكم الشروط التاريخية والتغييرات الطارئة على معاني المفردات، أن
تتناول جميع القضايا الواردة فيها بالتفصيل، فثمّة مسائل وأسئلة كثيرة تثيرها ولا
تجيب عنها ولا توضحها. كما أن الكتاب المُقدّس لا يجاري التقدّم الزماني، ففي كل
ظرف وحالة، تنشأ الحاجة إلى تفسير هذه النصوص بما يتفق مع الظروف الراهنة، لذلك
أثيرت جدالات عميقة وطويلة واختلفت النقاشات الفقهية حول مسائل كثيرة وردت في
التوراة والمشنا (كتاب التشريعات والأحكام).[3]
عند الحديث عن الراحة في يوم السبت، على سبيل المثال لا الحصر، لا تتضح تفاصيل
الأفعال التي يمكن ولا يمكن القيام بها في السبت، وكذلك الأمر حول كل مسألة من هذا
الصنف، إذ يتراكم تراث تأويلي ضخم يسعى إلى توضيح وتغيير المضامين بما يتفق شروط
الزمان والمكان.[4]
وإن أضفي على التأويلات
والنقاشات التلمودية هالة مقدّسة، فما تلاه من تأويلات اعتبرت عمليًا تأويلات
بشرية ليست موحاةً من الله، ولكنها وبالرغم من ذلك فقد منحت درجة مقدسة معينة بحكم
عزو قدسية معينة لرجال الدين اليهود ولتأويلاتهم ونقاشاتهم. بعد ختم التلمود (نحو
القرن التاسع للميلاد)، نشأ تراث يهودي تأويلي اعتمده اليهود على أنه بشري وليس
إلهيًا. لدينا منذ ذلك الحين حجم كبير من المواد والتفسيرات والكتب الفقهية
والأسماء اللامعة في الدين اليهودي حتى عصرنا هذا. مجمل النص المقدّس التوراتي،
والتلمودي، والتأويلات والفقهيات البشرية اللاحقة تشكّل ما يُطلق عليه التراث
الديني اليهودي أو "خزانة الكتب اليهودية".
وليس تعسّفًا تحقيب
التراث اليهودي إلى أربع حقب كبرى: الأولى منذ ظهور اليهودية كديانة في قرون ما
قبل التاريخ (نحو القرن الثامن أو التاسع ق.م) حتى خراب الهيكل الثاني (70م) تجلّى
في أسفار التوراة جميعها إضافة إلى مخطوطات قمران والعديد من الأسفار الأخرى التي
تحوّلت لاحقًا إلى "غير القانونية" (أي التي لم تدخل ضمن أسفار العهد
القديم/التوراة الـ24 المعتمدة رسميًا في الحقبة الثانية)؛ والثانية منذ تشكّل
شخصية هذه الديانة ديانة يهودية كما نعرفها اليوم، منذ نهايات القرن الأول للميلاد
حتى القرن التاسع للميلاد، وتجلّى نصيًا في تحديد الأسفار القانونية للتوراة ووضع
التشريعات والإحكام (المشناه)؛ والثالثة من القرن التاسع حتى أواخر القرن الثاني
عشر (أو الثالث عشر) للميلاد وتجلّت نصيًا وبصورة رئيسية في التلمود. والحقبة
اليهودية الأخيرة هي يهودية العصر الحديث وتجلّت في مناقشة التراث والنصوص
اليهودية التي ظهرت في الحقب القديمة. كل حقبة كبرى من هذا النوع تتسم بسمات
تميّزها عن غيرها من الحقب.
ما يهمنا هنا هو التراث
اليهودي العربي الذي أنتجه اليهود العرب في القرون الوسطى، تحديدًا في فترة
الهيمنة الإسلامية على المنطقة، بين القرن التاسع إلى أواخر القرن الثاني عشر، وهي
الفترة التي تمثل ذروة النتاج الإسلامي العربي، وكذلك ذروة الإنتاج العربي
اليهودي. يستطيع القارئ، من خلال تصويب الأنظار على هذه الفترة، تحسّس النقلة
النوعية الطارئة على الديانة اليهودية قياسًا بيهودية الحقب السابقة. فقد تميّزت
هذه الحقبة بالصبغة العقلانية والمنهجية التي استوطنت الديانة اليهودية وأعادت
صياغتها، فخرجت بالتدريج ديانة يهودية تقطع إلى حد بعيد مع التراث اليهودي السابق
على نطاق الأبستمولوجيا، والمسائل، وتناول العقائد، ومنهجية البحث والدراسة
والنقاش الديني. بعد أن كان هذا التراث نقليًا أسطوريًا متفرقًا بصورة غير منتظمة
في الحقبة السابقة للإسلام، فقد اكتسى هذا التراث الأسطوري طابعًا عقلانيًا
ومنتظمًا على الصعيد المنهجي في الحقبة الإسلامية، وأخذ يدعّم بعض جوانب هذا
التراث الأسطوري بشيء من التبرير العقلاني. يُعد هذا التحوّل من أهم ملامح
اليهودية في تلك المرحلة. بعبارات أخرى، فإن طغى النقل إلى حدٍ كبير على اليهودية
السابقة، فإن العقل والتفكير المنهجي بدءا في هذه الحقبة مزاحمة النقل ومصارعته،
وإن كان في أول ظهوره مهادنًا للنقل حتى يثبّت جذوره ويقوى عوده.
ومن أبرز الأمثلة على
هذا التوجّه العقلاني-المنهجي المُستحدث خفوت الكلام حول شعب الله المختار كتعبير
للميل إلى المفاهيم الكونية العقلانية السائدة في تلك الحقبة بدلًا من الانغلاقية
الدينية الاثنية السابقة. ومن الأمثلة العينية على ذلك تجنّب الفيلسوف اليهودي
الأبرز موسى بن ميمون (قرطبة، ت 1204م) ذكر مبدأ الشعب المختار عندما صاغ المبادئ
التي تشكّل جوهر العقيدة اليهودية، في حين كانت فكرة شعب الله المختار، والمخاوف
من الاختلاط، من المبادئ الطاغية في الديانة اليهودية قبل تلك المرحلة.[5]
هذا لا يعني انتفاء الفكرة تمامًا.
يتمثّل المثال الآخر،
بشأن الميل أكثر إلى النزعة العقلانية في التعاطي مع مسائل وردت في التوراة، في
تناول مسألة خلق العالم في ستة أيام في التوراة. تتناول أسفار التوراة هذه المسألة
بشكل قصصي ومبسّط دون إثارة أسئلة نقدية وعقلانية، وكذلك هو حال تناول مثل هذه
المسائل في التراث اليهودي النقلي إلى حد كبير. وعلى أية حال، لا يمكن للكتب
المقدسة تقديم أكثر مما قدّمته بحكم الشروط التاريخية. لكن مع تطور الشروط
التاريخية، وبروز الفكر الفلسفي، بات الفلاسفة والعقلانيون اليهود آنذاك يتعاطون
مع المسألة بشكل مخالف تمامًا مما شهدناه في السابق. فقد بات بالإمكان معالجة
الموضوع بنوع من الحسّ النقدي، ولذلك تدفقت الأسئلة حول هذه السردية: ما المقصود
باليوم؟ ولماذا في ستة أيام تحديدًا؟ وكيف للقادر على كل شيء بطرفة عين أن يمتد
خلقه على مدار فترة زمنية هي ستة أيام؟ وهل يخضع الخالق لمخلوقات هو خلقها
(كالزمان)، وهل للخالق الحرية في الخلق في ستة أيام أو غيرها أم أنه مضطر على ذلك؟
وكيف يمكن الحديث عن الأيام قبل أن يخلق الباري القمر والشمس في اليوم الرابع؟
وغيرها الكثير من الأسئلة التي لا يجيب عليها التراث النقلي اليهودي السابق، لأنّه
لا يقدّم طروحًا فلسفية منظّمة. في المقابل، سعى التراث الجديد إلى الإجابة عن هذه
الأسئلة النقدية العقلانية وغيرها بشكل منظّم.
بات الحديث في تلك
الحقبة عن الأبستمولوجيا، ومصادر المعرفة، وخطوات الوصول إلى المعرفة الصحيحة، من
أبجديات النقاش العقدي. بات عرفًا أن يستهل الفيلسوف والأديب مداخلته حول مسألة
ما، جريًا على عادة المتكلمين والفلاسفة المسلمين، بمساهمة في أهمية العلوم ومناهج
الوصول إلى المعرفة الصحيحة عقليًا، وآليات التحقّق منها، وتعريف المعرفة وغيرها
من الأسئلة المتعلقة بأصول المعرفة وهويتها ودورها في الحياة الدنيا والحياة
الآخرة. في حين اقتصرت المساهمات السابقة (حتى القرن الثاني للهجرة) على الجوانب
اللغوية عبر استحداث أدوات لغوية ومناهج أدبية وأصول فقهية بغية طرح تفسيرات أفضل
للنصوص المقدّسة (النقل)، بوصفها مصدر المعرفة المطلق، واستخراج المبادئ المعرفية
منها، شهدت الحقبة الجديدة (ما بعد القرن الثاني للهجرة) إعادة الاعتبار إلى العقل
ومنحه مكانة أكثر مركزية.
هذا الانزياح الجذري نحو العقل على صعيد الديانة اليهودية، في
سياق المجتمع والثقافة الإسلامية التي شكّل اليهود مركبًا من مركّباتها، وأحد أهم
الجماعات العربية المساهمة فيها، تؤكده بعض الشهادات اليهودية وغير اليهودية في
تلك الحقبة. إذ يوجد العديد من الشهادات حول أهمية السياق الإسلامي للكلام
والفلسفة اليهودية في العصور الوسطى. فتؤكد شهادات كثيرة، تعود إلى تلك الحقبة
التاريخية، أوردتها الباحثة سارة سترومزا،
على الطرح القائل بأن اليهودية تعقلنت فقط في هذا السياق العربي الإسلامي،
في ذروة الانفتاح والترجمة والجدل الفكري والعقدي الغني.[6]
يعبّر سعيد الفيومي
(ولد وترعرع في قرية دلاص في الفيوم ونشط في بغداد، ت 942م) عن حالة البلبلة وعدم
اليقين التي أصابت اليهود بسبب اجتياح المناخ العقلاني آنذاك. يصف الفيومي اليهود
في زمانه أنهم يتخبطون في بحر الشكوك، غير قادرين على تحديد طريق الحق، ولذلك جاء
هو ليساهم في إنقاذهم من هذه الحالة بواسطة علمه ونقاشاته.[7]
إلا أن موسى بن ميمون كان أكثر بلاغةً ووضوحًا في التعبير عن حالة اليهود عند نشأة
العقلانية العربية آنذاك، ويقول:
بل غرض هذه المقالة
تنبيه رجل دين قد اتضع في نفسه وحصل في اعتقاده صحة شريعتنا- وهو كامل في دينه
وخلقه، ونظر في علوم الفلاسفة وعلم معانيها وجذبه العقل الإنساني وقاده ليحلّه في
محلّه، وعاقته ظواهر الشريعة وما لم يزل يفهمه أو يفهم إياه من معاني تلك الأسماء
المشتركة أو المستعارة أو المشكّكة، فبقي في حيرة ودهشة. إما أن ينقاد مع عقله
ويطرح ما علمه من تلك الأسماء، فيظن أنه طرح قواعد الشريعة، أو يبقى مع ما فهمه
منها ولا ينجذب مع عقله، فيكون قد استدبر عقله ويعرض عنه. ويرى مع ذلك أنه جلب
عليه أذية وفسادًا في دينه، ويبقى مع تلك الاعتقادات الخيالية، وهو منها على وجل
ووخامة، فلا يزال في ألم قلب وحيرة شديدة.[8]
وبعد أن وقفنا على بعض
الصور التي تبرز حجم التغيّر على صعيد الديانة اليهودية، وكذلك بعض الشهادات التي
تؤكد على أهمّية السياق العربي الإسلامي في نشوء العقلانية اليهودية، نقدّم بعض
الملامح التي تؤكد على عربية التراث اليهودي، وعربية اليهود في تلك الحقبة. يتميّز
التراث اليهودي في تلك الفترة بأنّه تراثٌ عربيٌ بامتياز، تتمثّل أهم ملامحه
العربية فيما يلي: أولًا، أنتجه يهود قطنوا في حواضر عربية إسلامية، أهمها البصرة
وبغداد والقيروان ومدن الأندلس الإسلامية مثل قرطبة وغرناطة. وكذلك تكلّم اليهود،
الذين قطنوا تلك الجغرافيا العربية الإسلامية، اللغة العربية، واستخدموا ما يُصطلح
تسميته "العربية اليهودية"[9]
للكتابة، وهي كتابة عربية لكن بالحرف المعتمد في العبرية. وكان اليهود جزءًا من
الثقافة العربية الإسلامية رفدوها كما تأثروا بها، حتى أن بعض اليهود كانوا يحضرون
المناظرات ومجالس الفرق والملل، منها مجالس فرقة المعتزلة الإسلامية (فرقة نشأت في
منتصف القرن الثامن للميلاد على يد واصل بن عطاء وعمرو بن عُبيد ينزع طابعها إلى
العقلانية)، وتبنوا أصولها واصطلاحاتها الدينية. ويمكن طرح أمثلة أخرى عينية تجسّد
حالة الاندماج في المجتمعات العربية والإسلامية، منها أن ابن ميمون عمل طبيبًا
لصلاح الدين الأيوبي والعائلة المالكة بعد ذلك، وورث ذلك ابنه إبراهيم (القاهرة، ت
1237م) بعد وفاته. وكذلك عمل الفيلسوف والطبيب إسحق إسرائيلي[10]
(مصري النشأة ونشط في القيروان، ت 955م) طبيبًا لعبيد الله المهدي (القاهرة، ت
934م) مؤسّس السلالة الفاطمية.
الطمس
طمست الحركة الصهيونية،
ومن يلف في فلكها، هذا الكم والكيف من التراث اليهودي العربي، ولا زالت تضعه في
خلفية التراث اليهودي كيفما تبلور في العصور الحديثة. وإن كانت، ولا زالت،
اليهودية الحديثة تمد شرعيتها من النصوص المؤسّسة، إلا أنها تقفز عن المرحلة
الوسطى وتتجاوزها في عودتها ورجوعها من النصوص المؤسّسة لليهودية، وإن لم ينجح في
تجاهل بعض الشخصيات المركزية، كموسى بن ميمون، فإنها تتجاهل تمامًا ثقافته ومحيطه
واللغة التي أصدر مصنّفاته بها. يتجسّد هذا الطمس والتهميش الصهيوني للتراث العربي
اليهودي في العصور الوسطى على عدّة صُعُد، أهمّها على الصعيد الأكاديمي والصعيد
السياسي.
*نطاق الأكاديميا
اجتهد الباحثون الغربيون على العموم، والمتأثرون بالحركة
الصهيونية ومقولاتها الاستشراقية والدينية على وجه الخصوص، في تعزيز الادعاءات
الصهيونية الاستشراقية الرومانسية. من الأمثلة على ذلك، تعزيز فكرة التوق اليهودي
الدائم للعودة إلى "أرض إسرائيل" والزراعة وحمل السلاح، كتعبيرين
مركزيّين عن السيادة اليهودية على هذه الأرض، وكذلك تعزيز الادعاء بأن اليهود
حافظوا على تميّزهم الاثني طوال التاريخ بصورة فوق طبيعية تماشيًا مع الادعاءات
الصهيونية، وهي في حقيقة الأمر مفاهيم نشأت في العصر الحديث ولم توجد من قبل بهذا
المعنى. وفي مقابل ذلك، لم يتم التركيز على التراث اليهودي العربي في العصور
الوسطى، بل تم طمسه بطرق متعدّدة سنطرق لبعض النماذج منها.
يُلاحظ أن قسم معتبر من
الدراسات والأبحاث التي تعالج التراث اليهودي في العصور الوسطى يتجاهل هذا التراث
العربي الغني ويعتبره لا يستحق الذكرـ وإن أُشير في هذه الأبحاث إلى الفكر اليهودي
في العصور الوسطى، فغالبًا ما يختزل فكر مئات السنوات وعشرات الفلاسفة بشخص موسى
بن ميمون، وبشكل موجز، تعبيرًا عن النظرة الدونية لهذه المرحلة.
تشير بعض الأبحاث
الأخرى بخجل إلى الآداب اليهودية العربية، ولكنها تغفل، في ذات الوقت، بشكل مقصود
عن السياقات الفكرية العربية الإسلامية التي ظهرت بين ظهرانيها هذه الآداب
اليهودية، بل ويطمس بشكل متعمّد حقيقة أن يهود تلك المرحلة كانوا عربًا يهودًا.
لذلك، لا تشير هذه الأبحاث إلى التأثير الإسلامي، بل تكرّر مرارًا وتكرارًا أن
يهودية تلك المرحلة كانت تحت ضغط تأثير "الفكر الإغريقي" وذلك لتعزيز
الإنكار الواضح للمساهمة العربية الإسلامية واليهودية والمهمّة على الصعيد الفلسفي
الديني.
كما يتم التعامل مع
التراث الفلسفي اليهودي العربي في تلك المرحلة في أحايين كثيرة باعتباره اجترارًا
للفلسفة والفكر اليوناني، ومن هذا المنطلق يتم تعميم بعض المفاهيم والأسس الفلسفية
في تلك المرحلة باعتبارها نماذج على هذا الاجترار. في المقابل، فإن المعالجة
العلمية تفترض دائمًا التفاعل الثقافي والتلاقح الفكري بين المجتمعات والثقافات
والفلسفات المختلفة، فالحضارة الإنسانية تبنى لبنة لبنة، بحيث يمتص كل شعب في كل
مرحلة ما أنتجته الشعوب في المرحلة السابقة، يعيد صياغته من جديد ويضيف إليه
إضافته بما يلائم احتياجاته الخاصة، وهو ما لا تعترف به مثل هذه الأبحاث.
وإذا ما ألقينا نظرة فاحصة على المكتبة العربية، فيُلاحظ أن
شظايا الاستعمار الصهيوني قد أصابت ضحايا هذا الاستعمار أنفسهم – العرب – بهذا
الخصوص، فبالكاد يجد القارئ العربي أدبيات أكاديمية حول الآداب اليهودية العربية
في العصور الوسطى كمحاولة للتملص الواضح من معالجة هذا التراث. يبدو أن الأكاديميا
العربية سلخت هذا المكوّن العربي اليهودي بأثر رجعي، وذلك من خلال إسقاط الوعي
الحاضر الجريح بفعل الصهيونية على الماضي حتى بات المكوّن العربي اليهودي غريبًا
عن أصوله. لذلك بات الطمس مزدوجًا، باعتباره شرقيًا
وعربيًا من ناحية، ويهوديًا من ناحية أخرى.
*نطاق الصهيونية
تخشى الحركة الصهيونية
العودة إلى التراث اليهودي العربي، ويتجلّى هذا التهميش للتراث الشرقي، على الصعيد
السياسي، في استبعاد هذا التراث وعدم الإحالة إليه وإلى رموزه في الرواية
الصهيونية (باستثناء حالات محدّدة، وجزئيات خجولة سنناقشها لاحقًا)، وتجنب دراسته
والتفاخر به، كما تفخر الصهيونية بالتراث اليهودي الغربي المنسجم مع أيديولوجيتها
الاستشراقية.
كما أن التعديلات التي
أدخلت السنة الحالية على المناهج الإسرائيلية، الساعية إلى تعزيز حضور التراث
اليهودي الشرقي، عملاً بتوصيات لجنة بيتون، لم تكن محاولة جدّية لدمج التراث
الشرقي ودراسته، بقدر ما كانت محاولة لإثبات ولاء اليهودي الشرقي للحركة الصهيونية
الاستعمارية ومبادئها غربية المنشأ. يُلاحظ أن المقصود ليس تعزيز حضور التراث
اليهودي الشرقي، بل الهدف إظهار صهيونية اليهود الشرقيّين الدفينة منذ زمن طويل،
ومساهمتهم في الصهيونية كنظرائهم اليهود الأوروبيّين-الغربيّين، باعتبار أن
الصهيونية كانت جزءًا من واقع اليهود الشرقيّين كذلك. فليست الغاية دراسة التراث
اليهودي العربي المنفتح على الديانات والجماعات الإنسانية الأخرى، وباعتباره ابن
بيئته وشروطه التاريخية، بل عرض أجزاء صغيرة ومنتقاة بعناية من هذا التراث، وبشكل
رومانسي يخرجه من سياقاته، وبطريقة تأويلية كذلك، بحيث يظهر اليهود الشرقيّين
باعتبارهم صهيونيّين منذ البداية، ومضطهدين كنظرائهم الأوروبيّين.
لذلك، أضيفت إلى
المناهج الدراسية بعض المواضيع المنتقاة من التاريخ اليهودي، وطرحت بشكل يخدم
الأيديولوجية الصهيونية، مثل: حادثة دمشق 1840م، والحركة الصهيونية السرية في
العراق، طرد اليهود من مصر، وأسلمة يهود إيرانيّين بالقوّة، و"كارثة"
يهود شمال إفريقيا، والنشاطات الصهيونية ليهود الشرق، وغيرها من الحوادث التاريخية
والمسائل التي تؤول بطريقة رومانسية، بانتزاعها من سياقاتها، وبدون عرض تاريخ
وتراث يهودي أكبر يجسّد حالة الانخراط في هذه المجتمعات العربية باعتبار يهود تلك
الجغرافيا والتاريخ عربًا يهودًا. يخدم كل ذلك هدف خلق تاريخ آخر شرقي، موازٍ
للتاريخ اليهودي الأوروبي الغربي، خلقت الصهيونية تأويلات رومانسية له بحيث تؤكّد
حاجة اليهود أينما وجدوا لدولة ولتبرير الاستعمار الاستيطاني.
بهذا المعنى، فقد
توغّلت الصهيونية في طمس هذا التراث، من خلال عدم دراسته دراسة جدّية تاريخية،
وعدم طرحه للنقاش العميق، وعدم تعزيز حضوره بشكله الحقيقي في إسرائيل، بل وغياب
تراث كبير وتاريخ كبير من الانفتاح الفكري والعملي لليهود العرب في ظل بيئاتهم
العربية في العصور الوسطى والحديثة، وفي المقابل تطرح أحداث وتأويلات منتقاة تصب
جميعها في تعزيز مبادئ الصهيونية والرفع من شأنها.
أسباب الطمس
يُمكننا من خلال تشخيص خصائص التراث الديني اليهودي العربي،
وسياقه، وموضوعاته، صياغة فرضية أوّلية تفسّر أسباب هذا الطمس المتعمّد للتراث
اليهودي العربي. يبدو أن تجاهل التراث اليهودي الشرقي على العموم، إنما ينبع أولًا
من تناقضه مع أهداف الصهيونية والتراث اليهودي الذي تطوّر في أوروبا، والذي أكّد
في غالبيته على محاور عديدة مخالفة لما كان محل جدل ونقاش في تلك العصور. فقد
تركّزت النقاشات في العصر الحديث، تحديدًا عشية نشوء الحركة الصهيونية والاستيطان
في فلسطين، حول إثبات بعض الادعاءات الرومانسية بما يدعم المناخ الكولونيالي
الغربي واليهودي الأوروبي. أهم هذه الأفكار التي جرى تسويقها على قدم وساق هي فكرة
التوق اليهودي الدائم للعودة إلى أرض الأجداد، وكذلك التشديد على الرابطة العرقية
النقية اليهودية طوال التاريخ، فضلًا عن التأكيد على أهمّية ما يُسمى بأرض إسرائيل
وشعب إسرائيل وتوراة إسرائيل.
باعتبار الحركة الصهيونية حركة كولونيالية وقومية، تحتاج إلى
عوامل تماسك ومحفزات انبعاث قومي، ومحرك يدفع يهود العالم إلى التحول لمستوطنين من
خلال دفعهم للهجرة إلى فلسطين، فإنها تستعين ببعض الأساطير والأفكار الرومانسية
وبعض التبريرات العاطفية غير القابلة للتمحيص كغيرها من الحركات الاستعمارية
الاستيطانية أو الحركات القومية. أما التراث اليهودي الذي رشح عن العصور الوسطى
يخالف إلى حد كبير هذه الثيمات المطروحة. فقد أكّد هذا التراث على رسالة إنسانية
رفيعة لكافة البشر، ولم تعن بمسائل مثل مسألة "أرض إسرائيل"، والاستيطان،
وشعب الله المختار، والتوق اليهودي للعودة، وما إلى ذلك من مواضيع سياسية هي
عمليًا صلب الفكر الصهيوني. بخلاف ذلك، غابت هذه المفاهيم الصهيونية عن ذلك العالم
اليهودي في العصور الوسطى، بل كان محرجًا في عصر العقل أن تطرح أفكار غير عقلانية،
ولذلك لا تجد الحركة الصهيونية من التراث اليهودي العربي الكثير مما يمكن توظيفه
في خدمة غاياتها السياسية الكولونيالية.
كما تتمتّع الحركة
الصهيونية، كحركة استعمارية استيطانية، بقوّة وقدرة كبيرة على طمس ما يُعيق
تعريفها لذاتها وهويتها، وبما أن الحركة الصهيونية غربية الهوى والمنشأ
والإيديولوجيا، فإن وجود تراث عربي يهودي يُعيق تعريف الصهيونية لذاتها على أنها
غربية. لذلك، تنجح الصهيونية إلى الآن في طمس هذا التراث وإغفاله إلى حد كبير، على
عدة صعد سياسية ودينية وأكاديمية ورمزية. فهي تأتي من خلفية استشراقية تقزيمية لكل
ما هو شرقي الذي ترى من خلاله ذاتها متفوّقة وغربية، ولا يمكن التوفيق بين هوية
كولونيالية تستهدف جغرافيا وشعب شرقي عربي بالإزالة ولا تعترف بوجوده وبين هوية
عربية.
كما أن الحاجة إلى بناء
مجتمع استيطاني متجانس صلب، من خلال اغتصاب أرض عربية، وممارسة كولونيالية عنصرية
تدميرية للمجتمع الفلسطيني العربي، لا بُد أن يخلق توتّرات داخلية، ويهز المبررات
الاستعمارية، إلا إذا قطعت كل صلة تاريخية مع التراث العربي، ونفي كل ما يمس بصلة
للعرب في التعريف الذاتي الصهيوني.
وتجدر الإشارة إلى أن
هذا الطغيان الغربي في تعريف الصهيونية وجهتها الحضارية والسياسية يتم تجاوزه
وتغليب حالات خاصة محدودة ومحددة جدًا من التراث الشرقي، وذلك من خلال الإحالة
والاستعانة ببعض النصوص الشرقية، مثل كتاب مشناه توراة (تثنية التوراة) لابن ميمون
والكتاب الخزري ليهودا بن صموئيل اللاوي (الأندلس، ت 1141م). ينم هذا التغليب عن
إخراج بعض النصوص من سياقها التاريخي للتأكيد على الهوية اليهودية باعتبارها فوق
تاريخية، وفي محاولة لإثبات تماسك هذه الرابطة طوال التاريخ. فمثلاً، يؤكّد الكتاب
الخزري بصورة خاصة على ثالوث الشعب والتوراة والأرض كوحدة عضوية واحدة، خصوصية
الشعب اليهودي باعتباره صفوة البشرية جمعاء، وتوراة الشعب اليهودية المنزلة من
الله، وأرض إسرائيل الذي منحها الله لشعبه، لا يقوم كل ضلع منها لوحدة بغياب
الضلعين الآخرين. فكل ضلع يغذّي الآخر ويستند إليه.[11]
[1]
نوظف مصطلح التوراة في هذه المقالة بمعنى التناخ
(التوراة والأنبياء والكتابات)، أي كل الكتاب المقدس اليهودي، وليس فقط بمعنى
أسفار موسى الخمسة، وهي التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية.
[2]
تتوفر ترجمة عربية لها مؤخرًا، أصدرها مركز
دراسات الشرق الأوسط، عمان، باستثناء تعليقات الحاخامات المتأخرين.
[3]
تتوفر ترجمة عربية لها. يُنظر: ترجمة متن
التلمود (المشنا) 6 أجزاء، ط1، ترجمة وتعليق مصطفى عبد المعبود، الجيزة: مكتبة
النافذة، 2009.
[4]
يُنظر: Sicker, Martin.
An Introduction to Judaic Thought. Westport: Greenwood Publishing Group,
2007, p. 54.
[5]
يُنظر: Jacobs, Louis.
“Judaism,” Encyclopedia Judaica2, vol. vii, pp. 511-520, 512.
[6] أول شهادة كانت من يهودا بن تيبون/Yehuda
Ben Tibbon (غرناطة، ت.1190م)، في تقديمه للترجمة
العبرية لكتاب بحيا بن باكودا/Bahya Ben Paquda
(الأندلس، القرن الحادي عشر) "الهداية إلى فرائض القلوب"، عبّر فيها عن
تعجّبه من غنى وتنوّع الإنتاج الأدبي اليهودي في البلاد العربية في ظل الحكم
الإسلامي. وترد الشهادة الثانية على لسان موسى بن ميمون (قرطبي المولد والنشأة، ت.
1204م) من تلك الحقبة؛ في حين جاءت الشهادة الثالثة من جهة الجاحظ (البصرة، ت.
868م). يطرح هؤلاء الفلاسفة الأدباء الثلاثة بطريقة أو بأخرى أن الفلسفة اليهودية
نشأت من تربة الحضارة الإسلامية العقلانية التي يُكن لها الفضل الأكبر بهذا
الخصوص. يُنظر:
Sarah Stroumsa.
"The Muslim Context," S. Nadler and T. M. Rudavsky (eds.), The
Cambridge History of Jewish Philosophy from Antiquity through the Seventeenth
Century, New York: Cambridge University Press, 2009, pp. 41-43.
[7]
سعيد
الفيومي. المختار في الأمانات والاعتقادات، تحرير نبيه بشير، بيروت:
منشورات الجمل، ص 5 (لم ينشر بعد).
[8]
موسى
بن ميمون القرطبي. دلالة الحائرين،
تحقيق حسين أتاي. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2007، ص 5-6.
[9]
نبيه
بشير، "خصائص العربية اليهودية"، في: يهودا بن صموئيل اللاوي، الكتاب
الخزري: كتاب الرد والدليل في الدين الذليل. تحرير نبيه بشير، بيروت: منشورات
الجمل، 2012، ص 66-71.
[10]
من
بين جملة كتبه المنشورة في المسائل الطبية، نذكر: إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، كتاب
الأغذية والأدوية، تحقيق محمد الصبّاح، بيروت: مؤسّسة عز الدين للطباعة
والنشر، 1992.
[11]
اللاوي، الكتاب الخزري، مرجع سبق ذكره.
قراءة المادة الأصلية؛ نشرت بتاريخ 10/9/2018
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق