السبت، 14 يونيو 2025

نهاية التعليم: تجزئة مفهوم الجامعة

 الكاتب: ألاسدير ماكنتاير                                                                                ترجمة: أحمد قاضي

ما هو الدور المميّز الذي ينبغي أن تضطلع به الجامعة أو الكليّة الكاثوليكية الأمريكية في الوقت الراهن؟ ينبغي عليها أن تتحدّى نظيراتها العلمانية من خلال استعادة تصوّر أقل تمزّقًا لما ينبغي أن يكون عليه التعليم بعد المرحلة الثانوية، سواء لنفسها أو للجامعات العلمانية، من خلال تشخيص مكامن الخلل الذي أصاب حتى أفضل الجامعات العلمانية. فمن وجهة النظر الكاثوليكية، لا يكمن الخلل في الجامعة العلمانية المعاصرة في أنّها ليست كاثوليكية، بل لأنّها ليست جامعة.

ومع ذلك، من غير المرجّح أن تقبل الجامعات الكاثوليكية الكبرى هذه الدعوة، ولو لمجرد أن قادتها الإداريين عازمون في الغالب على محاكاة نظيراتهم العلمانية المرموقة، التي تقلّد بعضها بعضًا بالفعل. لذا نجد جامعة نوتردام تنظر بقلقٍ إلى جامعة ديوك، لتفاجأ بديوك وهي تنظر بقلقٍ إلى جامعة برينستون. ما الذي يجعل هذا الموقف مُفسدًا لهذه الدرجة؟ ما الذي أصاب الجامعة العلمانية؟

ولنبدأ ببعض الحقائق المعروفة والمبتذلة. تضاعف عدد التخصّصات المتاحة في الجامعات والكليات الأمريكية منذ القرن التاسع عشر باضطراد، فقد أضيف إلى تخصص الفلسفة تخصصات علم النفس والاقتصاد السياسي، الذي سرعان ما تحوّل إلى علم الاقتصاد، والذي أضيف إليه لاحقًا العلوم السياسية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجي، وأضيفت إلى تخصصات الكيمياء وعلوم الأحياء إلى الرياضيات والفيزياء. وداخل كلٍّ من هذه التخصصات، تضاعفت التخصّصات الفرعية، ثم التخصّصات الفرعية اللاحقة. وهكذا دواليك مع دراسة اللغة والأدب اليوناني واللاتيني، حيث أضيفت إليها أولًا الإنجليزية، ثم الفرنسية والألمانية والإيطالية، ثم الروسية والصينية والعربية والفارسية، إلخ... وكذلك الحال مع تضاعف الدراسات التاريخية، الأمريكية والأوروبية والآسيوية والأفريقية، القديمة والوسطى والحديثة، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية... وفي جميع هذه المجالات، ثمّة مجموعة متنامية من التخصصات الفرعية، ناهيك عن ظهور الكتابة الإبداعية، وفنون المسرح، و... و... و...

إنّ تاريخ هذا التكاثر في التخصصات هو، بطبيعة الحال، تاريخٌ لتزايد تخصّص الباحثين، وتحول أساتذة الجامعات والكليات إلى باحثين محترفين ضيّقي الأفق، يُدرِّسون أيضًا، متخصّصون يعتمد نجاحهم المهني ومكانتهم إلى حد كبير على درجة تماثلهم مع تخصّص فرعي مُحدد. ويضمن هؤلاء الأساتذة هذا الامتثال من خلال خطوتين: أوّلهما تحصيل درجة الدكتوراه من ناحية، وضمان منصب عمل ثابت من ناحية أخرى. وخلال الدكتوراه والعمل، يكافأ من يُتم المهام قصيرة الأمد المطلوبة التي يقرّها من هم أرفع مكانًا في تلك المؤسسات بشكلٍ ناجح. وبذلك يُغرز احترام تحيّزات هؤلاء المتعلِّمين، في حين لا تكافأ المشاريع طويلة الأمد التي تتحمّل نوعًا من المجازفة والخطورة والابتكار، وهذا ما يجعلها مهملة بشكلٍ متزايد. وبهذه الطريقة، يُهيّأ العديد من الأكاديميين ليصبحوا حرّاسًا مُحترمين للوضع الراهن للتخصصات، مُخفين ذلك أحيانًا عن أنفسهم بحماسهم للمشاريع متعددة التخصصات التي لا تُشكِّل أي تهديد لذلك الوضع الراهن.

ويحمل هذان المساران المترابطان أهمّية خاصة في تاريخ الكليات والجامعات بسبب تأثيرهما الكبير في مسارٍ ثالثٍ يتمثّل في تغيير مفهوم تعليم الطلاب. لنتأمل تأثيرًا واحدًا، ولنأخذ تعليم البكالوريوس مثالًا، يبنى المنهاج من ثلاث مجموعات. تتمثّل المجموعة الأولى في المتطلبات الجامعية، وهناك مجموعة مساقات تخصّ التخصص الذي يختاره الطلبة، والمجموعة الثالثة هي مساقات اختيارية تعتمد على اختيارات الطلبة.

ووفقًا لهذه النتائج، يمكن وضع ثلاثة تعليقات. بدايةً، بات ما يتعلمه الطلاب في تخصّصاتهم بصرف النظر عن الحقل المعرفي الذي يتخصصون فيه هو تحديدًا ما يحتاجون إلى تعلمه حتى يصبحوا متخصصين في مجالٍ ما، وبات التخصّص مفتاحًا للدراسات العليا، والطلاب المحظوظون هم أولئك الذين يحظون بإعجاب أساتذتهم، وهذه مأساة كبيرة. ثانيًا، يُرغم الطلبة على اتخاذ خيارات أو مسارات غير قابلة للتعديل لاحقًا في مرحلة ما من حيواتهم سواء أكانوا يدركون تمامًا ماذا يريدون أن يتعلموا أم لا. يدرك الطلاب تمامًا أن آمالهم المهنية سوف تتأذّى إذا لم يحصلوا معدلات مرتفعة في المساقات التي يدرسونها، لذلك لا يخوضون في المساقات التي يعتقدون أنهم لن يبلوا فيها بلاءً حسنًا، لذلك لا هم ولا أساتذتهم يخوضون غمار المخاطرة، وهذا يدفع الذي يبتغي التخصص في الرياضيات على سبيل المثال ألا يدرس مساقات مهمّة لتخصصه لأنه لا يتوقع أن يؤدي بها أداءً جيدًا. علاوةً على ذلك، يعتمد الأساتذة على طلابهم عند تقييم أداء المدرّسين، فالمدرّس الذي يمنح الطلبة ما يحتاجون لا ما يريدون يعاقب في هذه التقييمات، وبذلك لا مفر من عدم تلبية احتياجات كثير من الطلبة.

ثالثًا، أيًّا كان نمط المقررات الذي يختاره الفرد، فمن غير المرجح أن يشكّل أكثر من مجموعة متناثرة من المعارف المجزأة: إلمام متخصص بهذا الجانب، وفهم جزئي شبه متخصص بذاك، واستعراض تمهيدي لشيء آخر. إنّ التساؤل حول كيفية ترابط هذه الأجزاء، أو ما إذا كانت تشكّل بالفعل مكوّنات تساهم في كلٍّ مترابط، أو حتى ما إذا كان لها معنى جامع من الأصل—لا يُترك فقط دون إجابة في الغالب، بل قلّما يُطرح أصلًا. وكيف له أن يُطرح أصلًا، في حين أنّ كل مقرر، حتى التمهيدي منه، يُدرّس ضمن تخصص ضيّق على يد أستاذ قد يكون جاهلًا بدرجة كبيرة بكل ما يقع خارج نطاق اختصاصه؟ كل جزء من المنهاج الأكاديمي يقع ضمن مسؤولية شخص ما، لكن لا أحد يتولى مسؤولية ربط تلك الأجزاء ببعضها البعض. فلمن تعود مسؤولية هذا الشأن؟

ينبغي أن يهمّ هذا كل من يرى أهميّة لماهية التصوّر الذي يتشكّل لدى الطلاب حول الطبيعة البشرية والوجود الإنساني عند دخولهم عالم العمل – وبالتالي، ينبغي أن يهمّ كل كاثوليكي. ذلك لأنّ كل حقل أكاديمي يقدّم معرفة جوهرية بشأن جانب ما من الطبيعة البشرية والحالة الإنسانية. فالفيزياء تُخبرنا بالجسيمات والقوى التي يتكوّن منها الجسد ككائن مادي، بينما تتناول الكيمياء والكيمياء الحيوية الجسد بوصفه موقعًا للتفاعلات والتبادلات المختلفة. ونتعلّم من علم الأحياء ما هي البُنى الوظيفية للكائنات الحية المعقدة – مثلنا نحن – وكيف تطوّرت، فيما تجعلنا علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والاقتصاد والتاريخ قادرين على فهم البشر من خلال علاقاتهم الاجتماعية والثقافية المتغيّرة. أما الفلسفة – إلى جانب تاريخ الفكر – فتكشف لنا الكيفية التي نستطيع بها التقدّم تدريجيًا نحو فهم أعمق لأنفسنا وبيئتنا، متجاوزين بين الحين والآخر حدود الفهم السابق. وأما حقيقة أن الإنسان هو، في جانب أساسي منه، ما يتخيله عن نفسه، وأن الحياة البشرية تبهت وتنقص من دون أعمال الخيال، فلا يمكننا أن ندركها إلا من خلال الدراسات الأدبية والجمالية. ومع ذلك، وعندما نتعلّم كل ما لهذه التخصصات المتنوعة أن تقدمه لنا – وهي قائمة لا تزال غير مكتملة – نواجه أسئلة لم تُطرح أصلًا، فقط لأنها أسئلة لا يمكن لأي تخصص بمفرده أن يقدّم إجابة عنها.

هل تُعدّ الفيزياء التخصص الأساسي الذي تُردّ إليه جميع العلوم الأخرى، بحيث يمكن اختزال كل شيء—بما في ذلك الحياة النباتية والحيوانية غير البشرية، بل وحتى الأفعال والعواطف البشرية—إلى قوانين الفيزياء الأساسية، أو تفسيرها من خلالها؟ أم أن الكائنات الحية تمتلك خصائص لا يمكن تفسيرها بهذه الطريقة، وأن البشر يتجاوزون حدود سائر الكائنات الحية، بحيث تكون أفعالهم المستندة إلى الفكر موجّهة نحو غايات لا يمكن تقديم تفسير طبيعي صرف لها؟ على الكيفية التي نُجيب بها عن هذه الأسئلة، وما شابهها، يتوقف الكثير مما نعتبره توصيفًا دقيقًا للحالة الإنسانية. وينطبق الأمر ذاته على مجموعة ثانية من الأسئلة. فنحن نتاجٌ وورثة لماضٍ معقّد، ويترتب علينا، في قضايا محورية، أن نحدّد موقفنا من عناصر مختلفة من ذلك الماضي، من خلال التعرف على ما قد نكون قد فقدناه، إما برفضه أو بتعلّقنا المفرط به. هل لا نزال بحاجة إلى فهم الديمقراطية الأثينية وحرب البيلوبونيز؟ العصور الوسطى؟ عصر التنوير؟ الثورة الفرنسية؟ الرومانسية؟ صعود الرأسمالية؟ تاريخ الماركسية؟

هذه أسئلة لا بد من الإجابة عنها إذا أردنا أن نفهم من نحن في هذا الزمان والمكان، وإذا أردنا أن نفهم ما الذي يجعل نمط الحياة في الحداثة المتقدّمة مميّزًا. ولا يمكن طرح المجموعة الأولى من هذه الأسئلة بشكل وافٍ إلا من قِبل من اكتسب قدرًا من الفهم، ليس فقط لنظرية الفيزياء المعاصرة والمعادلات الرياضية التي تقوم عليها وتشكّل بنيتها، بل أيضًا لأجزاء من علم الأحياء الجزيئي والتطوري، ناهيك عن الإلمام بالنقاشات الفلسفية ذات الصلة في فلسفة العقل، من أفلوطين وحتى يومنا هذا.

أما المجموعة الثانية من الأسئلة، فلا يمكن طرحها على نحو وافٍ إلا من قِبل من تلقّوا تعليمًا راسخًا في تاريخ ثقافتهم وثقافات أسلافهم. وطرح مجموعة ثالثة من الأسئلة الملحة يتطلّب أيضًا قدرًا كبيرًا من التمهيد المسبق. وتتناول هذه الأسئلة الكيفية التي يمكن من خلالها التوصل إلى فهم والتعامل مع ثقافات تختلف جذريًا عن ثقافتنا، بحيث نتعلم – على المستويين العقلي والخيالي – أن نتحدث قدر الإمكان كما يتحدث أهل تلك الثقافات، وأن نرى كما يرون، ونفكر كما يفكرون. ويتطلب هذا النوع من التعلم أن نفهم أنفسنا ليس كما اعتدنا أن نفعل، بل كما يفهمنا الآخرون من داخل تلك الثقافات. ويُثير ذلك في الحال مسألة كيفية المفاضلة بين فهمهم لنا وفهمنا لأنفسنا، وبين تقييماتهم وقيمنا، في كل الحالات التي تنشأ فيها دعاوى متضاربة وغير قابلة للتوفيق. ومع ذلك، لا يمكن صياغة هذا السؤال بشكلٍ مثمر أو طرحه بجدّية إلا بعد أن نكون قد استوعبنا بدرجة ملموسة لغة وثقافة ونمط تفكير وحياة وأعمال الأدب والفنون في ثقافة أجنبية بعينها. ومن هنا، لا بد أن نبدأ، مثلًا، بتعلّم الماندارينية أو اليابانية أو العربية.

تنشأ من هذه المجموعات الثلاث من الأسئلة ملامح منهاج ثلاثي الأبعاد. أول عناصره هو المحور الرياضي والعلمي، ويتجاوز الفيزياء ليشمل الكيمياء وعلم وظائف الأعصاب، بما يتيح فهم الاكتشافات الحديثة المتعلّقة بالدماغ. أما العنصر الثاني فهو تاريخي، يُعنى بموضعة تاريخ الأفكار ضمن سياقاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. أما العنصر الثالث فيتمثل في الدراسات اللغوية والأدبية. وتشترك المحاور الثلاثة في احتوائها على بُعد فلسفي: فلسفة العقل والجسد، والأسئلة الفلسفية التي تثيرها جوانب مختلفة من تاريخنا، والأسئلة التفسيرية والتقييمية الناتجة عن علاقتنا بالثقافات الأخرى. ومن ثم، فإنّ الهيئة التدريسية اللازمة لهذا المنهاج يجب أن تضم رياضيين، فيزيائيين، أنماطًا معيّنة من علماء الأحياء، مؤرخين فكريين واجتماعيين واقتصاديين، مدرّسين للغة الإنجليزية ولغة أو لغتين وأدبهما، بالإضافة إلى أنثروبولوجيين وفلاسفة. غير أنّ الأمر الجوهري هو أن تكون هذه الهيئة ملتزمة ليس فقط بتدريس تخصصاتها الفردية، بل بالمناهج ككل، أي أن تضم أعضاءً يمتلكون اهتمامًا عميقًا ومعرفة ذات قيمة في تخصصات أخرى غير تخصصاتهم، بحيث يكونون قادرين—هم وليس الطلبة فقط—على صياغة ومتابعة أجوبة بديلة ومتنافسة للأسئلة التي تضفي على هذا المنهاج معناه وغايته.

ثمّة، بطبيعة الحال، طرق متعددة يمكن من خلالها تنفيذ منهاج كهذا. ومن المهم أن يركّز على عدد محدود من القضايا الإشكالية أو النصوص أو المحطات التاريخية ضمن التخصصات المساهمة، بحيث يمكن دراسة كل قضية أو نص أو محطّة بقدرٍ من التعمّق. إذ لا ينبغي أن تكون السطحية مقبولة لدى المتخصص العام المتعلّم، تمامًا كما هي مرفوضة لدى المتخصص الدقيق. بل إنّ الإحساس بالتعقيد قد يكون أكثر أهمية للمتخصص العام منه للمتخصص، إذا أُريد له أن يفهم مدى صعوبة صياغة الأسئلة التي يقدّمها هذا المنهاج ومواجهتها. لكن، لماذا يُعدّ من المهم أن ينخرط أي شخص تلقّى تعليمًا عاليًا في معالجة مثل هذه الأسئلة؟

نحن نعيش في ثقافة تتسم بتباين صارخ بين ما يُبذل من دقة ونزاهة في مناقشة القضايا التفصيلية ضمن كل تخصّص أكاديمي، وبين ما يسود النقاش العام من تساهل رديء ومتهاون في معالجة القضايا العامة الكبرى ذات الأهمية البالغة. (قارن مثلًا بين لورنس سامرز في الاقتصاد ولورنس سامرز في قضايا النوع الاجتماعي، أو بين الكاردينال شونبورن في اللاهوت والكاردينال شونبورن في نظرية التطور). ويُعزى هذا التباين، جزئيًا، إلى غياب جمهور متعلّم واسع، جمهور يشترك في معايير معينة للجدل والبحث، ولديه تصوّر مشترك، ولو جزئي، حول الأسئلة المركزية التي ينبغي معالجتها. وجود مثل هذا الجمهور من شأنه أن يجعل الناس أقل استعدادًا لترك القضايا الحيوية تُعرّف وتُحدّد من قبل أولئك المرتبطين سلفًا بإجابات محدّدة سلفًا وضيّقة، لم يبذلوا جهدًا حقيقيًا لفهم طبيعة الأسئلة المطروحة أصلًا. كما أن مثل هذا الجمهور لن يقبل بسهولة بالخنق المنهجي للنقاش العام، كما هو الحال في برامج التلفزيون، حيث يُحشر النقاش في فترات تتراوح بين دقيقتين إلى خمس دقائق، يُقاطع فيها كل مشارك الآخرين ويحاول إسكاتهم بالصوت العالي لا بالحجة.

إنّ اعتماد منهج دراسي كهذا سيعود بالنفع على الجامعات والمجتمع الأوسع على حد سواء، لكنه سيكون ذا أهمية خاصة لجامعة كاثوليكية وللمجتمع الكاثوليكي. فقد جادل نيومان بأنّ علم اللاهوت هو التخصص التكاملي والتوحيدي الذي تحتاج إليه أي جامعة، سواء كانت علمانية أو بروتستانتية أو كاثوليكية. ومن خلال النور الذي تسلطه العقيدة الكاثوليكية، ولا سيما تعاليمها بشأن الطبيعة البشرية والحالة الإنسانية، يمكن للاهوتيين أن يقدموا مساهمة فريدة في معالجة الأسئلة التي ينبغي أن تكون مركزية في منهج دراسي علماني في ظاهره. فليست القضية أن اللاهوت الكاثوليكي يمتلك إجاباته الخاصة والمتميزة على هذه الأسئلة فحسب، بل الأهم من ذلك أنه يعلّمنا كيفية التوجّه نحو هذه الأسئلة، لا بوصفها تساؤلات نظرية بحتة، بل كأسئلة ذات أثر عملي مباشر على حياتنا، تُطرح من قبل أولئك المنفتحين على الوحي الإلهي. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يتحول اللاهوت إلى تعليم في كيفية طرح الأسئلة التي تهمّ الإنسان في جوهره.

في هذا الصدد، يمكن القول إنّه من غير المرجح أن تحقّق أقسام اللاهوت هذا الهدف، وذلك لكونها غالبًا ما تعاني من نفس مشكلات التخصص والتجزئة التي تعاني منها الأقسام الأخرى. ومع ذلك، من المؤكد أن درجة ذلك تختلف بشكلٍ كبير من جامعة إلى أخرى. كما أنه من الصحيح أن كل شيء، أو تقريبًا كل شيء، الذي يجب تدريسه في منهج إصلاحي موجود بالفعل في معظم الجامعات، ولكن ليس بالطريقة التي تمكّن الطلاب من تجميع ما يتعلمونه، بحيث يفهمون ما هو على المحك في الإجابة عن الأسئلة المركزية. نحن نمتلك الموارد الفكرية لتحقيق التغيير الذي أقترحه، ما ينقصنا في الجامعات الكاثوليكية والعلمانية هو الإرادة للتغيير، وهذه غياب الإرادة هو عرض لركود غير مبرر بشأن وضعنا الحالي واتجاهنا الراهن.

قد يسأل البعض: "ماذا عن التدريب المتخصّص للبحث؟". قد يقولون إنّ اقتصادنا قائم على المعرفة ولا يمكننا الاستغناء عن الباحثين المتخصصين. المنهج الذي أقترحه قد يعلم الطلاب كيفية طرح الأسئلة بطريقة منضبطة، وهو أمر يعد تمهيدًا ذا قيمة لتعليم تقنيات البحث الحقيقية، لكنه لا يبدأ في توفير التلمذة التي يحتاجها الباحثون في مقدمة البحث. وهذا صحيح، فهو تعليم ليبرالي، وليس تدريبًا مهنيًا. لكن الدرس هنا هو التخلص من التشويشات التي نشأت عن إعجاب أسلافنا بالجامعة الألمانية للبحث، وتوفير تعليم ليبرالي في الفنون والعلوم، وأيضًا، لأولئك الذين يطمحون إليه، تدريب مهني متخصص في البحث في العلوم الطبيعية أو الإنسانية. المنهج الذي أقترحه، بما في ذلك اللاهوت، قد يتم تدريسه في ثلاث سنوات منظمة وشاقة. وبالتالي، ستتاح سنة رابعة للتدريب المهني أو البحث. ليس علينا التضحية بتدريب البحث من أجل توفير تعليم ليبرالي لطلابنا، تمامًا كما لا يتعين علينا تجزئة وتشكيل تعليم طلابنا كما نفعل الآن.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نهاية التعليم: تجزئة مفهوم الجامعة

  الكاتب: ألاسدير ماكنتاير                                                                                ترجمة: أحمد قاضي ما هو الدور الممي...