الخميس، 25 فبراير 2021

التعصب الفئوي والحزبي في فلسطين..مأساة تتعمق


تجادلت في أحد الأيام مع صديق لي عن ما يدور في الساحة السياسية الفلسطينية ، لكن للأسف كان متعصباً لأحد الأحزاب السياسية بحيث أنه رفض الإعتراف بأن هذا الحزب يمكن أن يكون قد أخطأ في أحد المواقف أو أنه يمكن أن يخطئ، وبصراخ أيضاً، وكأن من يرأسه ليس من البشر. هذه الحالة تجسد المجتمع الفلسطيني كغيره من المجتمعات العربية، وهذا هو المرض الرئيسي المتأصل في الشعب الفلسطيني وسبب رئيسي للتخلف، وعدم قدرة الشعب الفلسطيني على الضغط على الفصائل الفلسطينية لإتباع استراتيجية موحدة تقودنا إلى التحرر. فالإنسان الحر كما يقال يدافع عن الفكرة بغض النظر عن قائلها، أما الإنسان المتعصب العبد يدافع عن الشخص أو عن هذا الفصيل أو ذاك بغض النظر عن الأفكار التي يحملها حتى لو تؤدي إلى دمار البلاد، أو ما تبقى منها.


التعصب: هو أخذ الأمور بشدة وعنف وعدم قبول الرأي الآخر، ونصرة من يشاركه الأفكار أو الدم أو القومية سواء كان على باطل أو على حق، على أساس قاعدة انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. ومنه التعصب الحزبي الذي يعني دعم ونصرة الحزب والفصيل السياسي الذي ينتمي اليه الانسان حتى لو كان هذا الحزب على خطأ، ودعم هذا الحزب في المواقف التي يتخذ فيها مساراً ليس سليماً. قد يكون التعصب محموداً على اذا كان أساسه المصلحة العامة وحماية الأوطان ضمن ضوابط معينة. لكن هذا ما لا نراه في حالة الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية بشكل عام.

لا يخفى على مراقب كيف أن الشعب الفلسطيني منقسم على نفسه بين القوى العلمانية وعلى رأسها حركة فتح، والقوى الإسلامية وعلى رأسها حركة حماس، الذي كان منذ نشوء حركة حماس عام 1987-1988م حتى عام 2007م انقسام ايديولوجي وعلى أساس برامج سياسية، بين هذه الكتل الحزبية وليس الأفراد، وتجسد انقسام الشعب بعد استيلاء حركة حماس بالقوة على الحكم في غزة عام 2007م، وبعد أن أصبح هناك حكومتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وما تبعه من قطيعة بين الفصيلين الأكبر على الساحة السياسية الفلسطينية، وغيرها من المشادات الكلامية على الهواء مباشرة بين الإخوة الفلسطينيين.

هذا أدى إلى تفسخ مجتمعي بين أفراد الشعب الفلسطيني الذي كان يضرب به المثل في الوحدة، وهذا أخطر ما في الأمر؛ بحيث أصبح يحرم على الفتحاوي أن يختلط بالحمساوي والعكس صحيح، وأصبح افراد الشعب بسبب السموم الإعلامية من كلا الطرفين أكثر تعصباً كلاً لحزبه حتى لو كان ذلك على حساب الوطن أو على حساب أخيه الفلسطيني، حيث اتبع الفلسطينيون قاعدة انصر أخاك في الحزب ظالماً كان أم مظلوماً، بعد أن نسي الفلسطينيون أن هويتهم الأولى والأخيرة هي فلسطين، وهدفهم واحد وهو تحرير فلسطين، وأن الفصائل الفلسطينية هي الوسيلة هذا النصر لا وسيلة للإقتتال الداخلي.

أنا لا ألوم أفراد المجتمع لأنه من الصعب التحرر من الفئوية التي فرضها علينا مجتمعنا وتربى الأجيال القادمة على أساسها، بل ألوم المتنفذين في هذا الوطن، الذين فرضوا علينا هذه الفئوية، ووجب عليهم تصحيح خطأهم. فالفئوية والتعصب يعميان البصر والبصيرة، فالتعصب يؤدي الى الكراهية، والحقد، والرغبة في الإنتقام، وبالتالي نسيان العدو الحقيقي الذي يقف متفرجاً، بل مساعداً على تدمير المجتمع الفلسطيني لكي يسلب ما يريد من أرض ويهجر من يريد من الفلسطينيين من يريد بدون محاسبة. وها نحن اليوم نرى كيف أثر هذا الإنقسام السياسي والمجتمعي أيضاً على مسيرة الثورة الفلسطينية بشقيها المسلح والسياسي، فالفلسطينيون يقفون عاجزين عن مواجهة الإحتلال الغاصب، غير أن اسرائيل استغلت الإنقسام لتكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية، ورفض المفاوضات على أساس أنه لا يوجد من يمثل كل الفلسطينيين، فبدون الوحدة بين مختلف ألوان الطيف السياسي في فلسطين سيكون من المستحيل الحديث عن اكمال مشوار الثورة، ومشوار الشهداء والجرحى والمعتقلين واستعادة الأرض المسلوبة.
في نهاية المطاف، هذا النوع من التعصب يؤدي الى انحسار في فكر الجيل الصاعد، وزيادة نزعته الى العنف ومحاولة الإنتقام من الجار والأخ وابن العم، لأن المتعصب لجماعة أو حزب أو ديانة، لا يرى شيئاً من خارج منظار هذه الجماعة، وسيجد الشباب نفسهم قد وقعوا وغاصوا في مستنقع الفئوية الذي يؤدي على أقل الأحوال الى دمار البلاد وفناء العباد، ليس فقط كما حدث عام 2007م حيث الإقتتال بين جهتين مسلحتين، بل بين أفراد المجتمع الفلسطيني ككل، وما يحدث في مصر وسوريا الا دليل على ما أقول وما أتخوف. فجيل الشباب وما بعده من أجيال هم عماد المستقبل ويقع على عاتقهم مهمة صعبة متمثلة في تحرير البلاد وبناء دولة فلسطينية مدنية.

لذلك على القيادات السياسية، والتي هي السبب الرئيسي لهذا الإنقسام الخطير بين أفراد المجتمع على أساس حزبي تعصبي، أن يعيدوا حساباتهم وينظروا من منظار الوطنية والمصلحة العامة، ويعيدوا صياغة هوية كل إنسان فلسطيني على أساس وطني لا حزبي قبل فوات الأوان، فالتنشئة الإجتماعية الحالية تقوم على أساس حزبي وهذا ما يجب أن يعالج بشكل جذري وسريع.

نشرت المادة بتاريخ 1/1/2013 على موقع الحوار المتمدّن..قراءة المادة الأصلية 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نهاية التعليم: تجزئة مفهوم الجامعة

  الكاتب: ألاسدير ماكنتاير                                                                                ترجمة: أحمد قاضي ما هو الدور الممي...